القاضي النعمان المغربي

208

تأويل الدعائم

وتأويله في الباطن مثل ما تقدم القول به أن من لم يكن محرما ففاتح رجلا بالتأويل وهو ممن يجوز له ذلك في حد يجب له ذلك فيه ثم صار إلى غير ذلك الحد وفي حرم دعوة أخرى لم يجز لذلك المفاتح أن يفاتحه في غير حده الّذي أطلقت له فيه المفاتحة ، ويتلو ذلك ما جاء عنه عليه السلام أنه قال : لا تلتقط اللقطة في الحرم دعها مكانها حتى يأتي من أضلها فيأخذها ؛ فهذا في الظاهر ، كذلك يجب ولا يحل التقاط لقطة الحرم ومن وجدها تركها حتى يأتي صاحبها ، فيأخذها وتأويل ذلك في الباطن قول النبي ( صلع ) : « العلم ضالة المؤمن » ، فبين ذلك أن العلم حق من حقوق المؤمن يجب له قسطه منه ، وليس لمن ليس له في ذلك حق أن يأخذ منه شيئا بغير واجب ، وقد تقدم القول بأن المحرم في الباطن حد المؤمنين المحرمين وهم فيه على درجات من العلم كما قال اللّه جل من قائل : « يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ » « 1 » فليس ينبغي لأهل درجة أن يتعدوها إلى غيرها وإن أمكنهم ذلك ووجدوه وغاب أهله عنه ، وعلى كل من ليس له ذلك أن يجتنبه ولا يتعرض له وعلى من يعطيه إياه مثل ذلك فيه ، فإذا جاء من يستحقه أعطاه ، ويتلو ذلك ما جاء عن علي صلوات اللّه عليه أنه قال : من أراد الدخول إلى الحرم اغتسل فهذا مما يستحب للحرم في الظاهر ، وينبغي له أن يفعله ومثل ذلك في الباطن أنه يستحب ، وينبغي لمن أراد الدخول في دعوة الحق أن يتقدم قبل ذلك في التوبة والطهارة من الذنوب ولا يدخلها على معصية هو مصر عليها غير تائب منها ، وقد تقدم البيان على أن الغسل مثله مثل الطهارة من الذنوب . ويتلوه ما جاء عن جعفر بن محمد عليه السلام أنه قال : والمتمتع بالعمرة إلى الحج إذا دخل الحرم قطع التلبية وأخذ في التكبير والتهليل ، فهذا هو الواجب في الظاهر ، وتأويل ذلك في الباطن ما قد تقدم القول به من أن المستجيب لدعوة الحق قبل أن يدخل إليها إذا انتهى إلى حد داعيه وهو الميقات في الظاهر لباه أي استجاب له ، فإذا أخذ عليه العهد وعامله كان مثله مثل من دخل الحرم واستجاب لدعوة إمامه وحجته فزال عن حد الاستجابة وصار إلى حد السمع والطاعة وتعظيم أمر من استجاب لدعوته وتوحيد ربه بحقيقة توحيده الّذي يوجبه ما يسمعه من التأويل وذلك مثل التكبير والتهليل .

--> ( 1 ) سورة المجادلة : 11 .